مجلة روسيا للاقتصاد والأعمال

مرحباً بكم في المجلة الاقتصادية الرائدة عن روسيا والعالم العربي، مصدركم للأخبار الاقتصادية، الابتكارات العلمية، والتجارة والاستثمار بمنظور عربي.

recent

أحدث المواضيع

recent
recent
جاري التحميل ...

اتفاقية الأردن مع الاتحاد الأوراسي: ماذا يعني ذلك لكل من موسكو وعمان؟

 

ماذا يعني لكل من الأردن وروسيا توقيع اتفاق تجارة حرة مع الاتحاد الأوراسي؟

ماذا يعني لكل من الأردن وروسيا توقيع اتفاق تجارة حرة مع الاتحاد الأوراسي؟


✍️ إعداد: مجلة روسيا للاقتصاد والأعمال

يتجه الأردن لتوقيع اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. الاتفاقية لا تزال في مرحلة المفاوضات النشطة والمتقدمة، حيث عقدت اللجنة الاقتصادية الأوراسية مباحثات رسمية لبحث رغبة الأردن والدول الأعضاء في إتمامها. لكن حتى قبل التوقيع، يطرح سؤال جوهري نفسه: ما الذي ستغيره هذه الاتفاقية فعلياً في تدفق السلع بين الجانبين؟ هذا المقال لا يناقش افتراضات. إنه يقرأ الاتفاقية من خلال بندين واقعيين — الألمنيوم والأسمدة — ويكشف أين ستقع المنافسة الحقيقية، ولمن ستكون الغلبة.

بوابة الـ 180 مليون مستهلك: ما الذي يقدمه الاتحاد الأوراسي؟

الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ليس تكتلاً سياسياً. إنه سوق موحدة تضم روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقرغيزستان، ويبلغ عدد سكانها مجتمعة 180 مليون نسمة. أي اتفاقية تجارة حرة مع هذا التكتل تعني أن المنتجات الأردنية ستدخل هذه الأسواق برسوم جمركية مخفضة أو ملغاة، والعكس صحيح بالنسبة للمنتجات الأوراسية في الأردن. لكن الجزء الأهم — والأقل تداولاً — هو أن الاتفاقية ستشمل آليات لتسهيل الاعتراف بشهادات الجودة والمواصفات الصحية والزراعية الصادرة من الاتحاد الأوراسي، وهو ما يقلص التكاليف غير الجمركية التي تشكل عبئاً حقيقياً على التجارة البينية اليوم. كما أن مناقشات الربط الإلكتروني الجمركي بين الجمارك الأردنية والروسية، رغم كونها مستهدفات طموحة وليست آليات مفعلة بعد، تشير إلى أن الطرفين يفكران في ما هو أبعد من مجرد إلغاء الرسوم.

الألمنيوم: من سيكسب سباق المعدن الخفيف؟

روسيا منتج ضخم للألمنيوم. لكن السؤال ليس عن حجم الإنتاج، بل عن القدرة على المنافسة في سوق أردنية تزخر بالفعل بموردين متنوعين. الأردن يستورد الألمنيوم الخام وغير المشغول والسبائك والأسلاك والصفائح من قائمة طويلة من الدول: البحرين (مورد رئيسي للألمنيوم غير المشغول والسبائك والأسلاك)، السعودية (كميات بارزة من الألمنيوم وخردة المعادن)، مصر (مقاطع وألواح بأسعار تنافسية)، الصين وتركيا (ألواح وقطاعات هيكلية مصنعة)، وأخيراً الولايات المتحدة وألمانيا (خامات ومشغولات متخصصة).

في هذا المشهد المزدحم، أين يمكن للألمنيوم الروسي أن يجد موطئ قدم؟ الإجابة تكمن في نوعية المنتج. الطلب الأردني يتركز على الألمنيوم الخام غير المشغول، وسبائك الألمنيوم، والأسلاك، والصفائح والشرائح التي تدخل كمدخلات وسيطة في المصانع التحويلية المحلية. هذه منتجات قياسية نسبياً، حيث السعر هو الفيصل. اتفاقية التجارة الحرة ستمنح الألمنيوم الروسي إعفاءً من الرسوم الجمركية التي قد يدفعها منافسون من دول لا ترتبط مع الأردن باتفاقية مماثلة. هذه ميزة سعرية فورية. لكن التحدي ليس فقط في السعر. إنه في الخدمات اللوجستية: تكلفة الشحن من الموانئ الروسية إلى ميناء العقبة، زمن التسليم، ومرونة التعامل مع طلبيات متوسطة الحجم — كلها عوامل ستحدد ما إذا كانت الميزة الجمركية كافية لانتزاع حصة من موردين مستقرين في السوق الأردني منذ سنوات. الفرصة موجودة. لكنها مشروطة بالقدرة على تقديم عرض سعري نهائي يقل عن سعر المنافسين واصلاً إلى ميناء العقبة، لا سعر المصنع في سيبيريا.

الأسمدة: ثغرة روسية في سوق مشبعة

روسيا ثاني أكبر منتج للأسمدة في العالم، وتستحوذ على نحو 20% من التجارة الدولية. هذه حقيقة. والأردن - رغم كونه منتجاً ومصدراً كبيراً للأسمدة الفوسفاتية والبوتاسية - يستورد أسمدة ومخصبات زراعية بقيمة تقارب 60 مليون دولار سنوياً. هذه حقيقة أيضاً قد تبدو مفارقة. لكن التفسير بسيط: الأردن يصدر أنواعاً من الأسمدة ويستورد أنواعاً أخرى مخصصة أو مركبة يحتاجها وادي الأردن والمزارع المتخصصة، وعلى رأسها الأسمدة النيتروجينية والأسمدة المعدنية المركبة (NPK).

خريطة الموردين الحالية تكشف أن مصر تتصدر قائمة موردي الأسمدة إلى الأردن (خاصة الأسمدة النيتروجينية)، تليها السعودية (أسمدة معدنية وكيميائية مركبة)، ثم الصين (أسمدة كيميائية متنوعة ومغذيات زراعية بأسعار منافسة). وهناك أيضاً إسبانيا وهولندا وبلجيكا، التي يعتمد عليها الأردن في استيراد الأسمدة الذائبة المتطورة والمخصبات الورقية عالية الجودة للزراعات المحمية. السؤال: هل تستطيع روسيا المنافسة هنا؟

في فئة الأسمدة النيتروجينية ونترات الأمونيوم، تفرض روسيا نظام حصص تصدير مؤقت لحماية سوقها المحلي. لكن الحصص المتاحة للتصدير تبلغ ملايين الأطنان، والعقود المبرمة تحت مظلة اتفاقيات حكومية دولية - مثل اتفاقية التجارة الحرة المرتقبة - تحصل غالباً على استثناءات من هذه القيود. هذا يعني أن مورداً روسياً، يعمل ضمن إطار الاتفاقية، يمكنه توفير أسمدة نيتروجينية ومركبة (NPK) بأسعار قد تقل عن الأسعار المصرية والسعودية الحالية بفضل الإعفاء الجمركي. أما في فئة الأسمدة الذائبة والمتطورة، فالمنافسة أصعب: الجودة والمواصفات الفنية الدقيقة هي ما يحكم السوق هنا، وليس السعر وحده. لكن حتى في هذه الفئة، التعاون التقني والبحثي بين معاهد زراعية روسية وأردنية قد يفتح باباً لا يفتحه السعر وحده.

ما بعد الألمنيوم والأسمدة: سلع أخرى قد تقلب الموازين

الاتفاقية لن تقتصر على قطاعين. هناك فئات سلعية كاملة ستمنح فيها الإعفاءات الجمركية المنتج الروسي أفضلية سعرية واضحة. الأخشاب الخام والمنشورة - روسيا من أكبر مصدريها عالمياً - والأردن يستوردها بالكامل لغياب الغابات المحلية. الحديد وحديد التسليح واللفائف الفولاذية لقطاع الإنشاءات. البلاستيك الخام (البوليمرات) والمطاط الاصطناعي الذي تستخدمه المصانع الأردنية. الزيوت النباتية، وعلى رأسها زيت عباد الشمس. اللحوم والدواجن المجهزة والمطابقة لمواصفات الذبح الحلال. في كل هذه الفئات، سيجد المنتج الروسي نفسه فجأة في موقع تنافسي لم يكن متاحاً له من قبل، ليس بسبب جودة أعلى، بل بسبب سعر أقل ناتج عن إلغاء الرسوم.

لكن هنا تحديداً يجب الانتباه إلى عامل جديد: في الأسابيع الماضية، وقع الأردن والولايات المتحدة "اتفاقية التجارة التبادلية" التي تمنح البضائع الأمريكية - مثل المنتجات الزراعية والمركبات - ميزات تفضيلية متبادلة وتسهيلات دخول إضافية للسوق الأردني. هذا يعني أن المنتج الروسي، حتى مع الإعفاء الأوراسي، لن ينافس فقط المنتج المصري أو الصيني أو السعودي. سينافس أيضاً المنتجين الأمريكي والأوروبي اللذين يتمتعان بالفعل بإعفاءات وتسهيلات متقدمة جداً في السوق الأردني. الاتفاقية الأوراسية ستمنح المنتج الروسي فرصة المنافسة. لكنها لن تمنحه التفرد.

ما لا تغيره الاتفاقية: حدود الأداة التجارية

الاتفاقية أداة تجارية. ليست عصا سحرية. هناك قطاعات لن تمسها الاتفاقية إلا بشكل هامشي. الطاقة والغاز الطبيعي المسال، على سبيل المثال، ليسا جزءاً من هذه الاتفاقية. الأردن لا يستورد غازاً من روسيا حالياً، بل يعتمد على مصادر أخرى عبر منصة الغاز العائمة في العقبة وخط الغاز العربي. اتفاقيات التجارة الحرة للاتحاد الأوراسي تركز على السلع والبضائع التجارية التقليدية، ولا تنظم عقود توريد الطاقة السيادية التي تظل خاضعة لاتفاقيات ثنائية منفصلة بين الحكومات أو شركات الطاقة الكبرى. الآليات المتقدمة مثل الربط الإلكتروني الجمركي والاعتراف المتبادل الكامل بشهادات المطابقة هي أهداف تفاوضية طموحة، وليست بنوداً مفعلة بعد.

خلاصة: من يقرأ البنود يفوز بالصفقات

اتفاقية التجارة الحرة بين الأردن والاتحاد الأوراسي، حين تدخل حيز التنفيذ، ستخلق بيئة تجارية جديدة. لكنها لن تخلق فرصاً من العدم. الفرص موجودة أصلاً. الأردن يستورد ألمنيوم. يستورد أسمدة. يستورد أخشاباً وزيوتاً ولحوماً وبلاستيك. الاتفاقية ستفعل شيئاً واحداً - لكنه حاسم: ستجعل المنتج الروسي أرخص في السوق الأردني مما هو عليه اليوم.

السؤال الذي يجب أن يطرحه المصدر الروسي على نفسه ليس "ماذا سأبيع للأردن؟"، بل "بكم يمكنني أن أوصل منتجي إلى ميناء العقبة مقارنة بالمصري والبحريني والصيني والأمريكي؟". من يمتلك إجابة دقيقة على هذا السؤال، وليس تصوراً عاماً عن "الفرص الواعدة"، هو من سيفوز بالصفقات. أما من ينتظر توقيع الاتفاقية ليبدأ التفكير، فسيجد أن المنافسين قد سبقوه إلى العقود. ليس لأنهم أفضل. بل لأنهم حسبوا التكلفة قبله.

المصادر: بيانات قاعدة التجارة الدولية للأمم المتحدة (UN Comtrade)، المفوضية الاقتصادية الأورو-آسيوية (EEC)، وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية، تقارير اللجنة الأردنية الروسية المشتركة، اتفاقية التجارة التبادلية الأردنية-الأمريكية، وكالة الأنباء الأردنية (بترا).

#الأردن #روسيا #الاتحاد_الأوراسي #تجارة_حرة #ألمنيوم #أسمدة #تصدير #العلاقات_الأردنية_الروسية #مجلة_روسيا_للاقتصاد_والأعمال

عن الكاتب

د. سعيد عوض الله - مستشار اقتصادي ومتخصص في العلاقات التجارية والاستثمارية الروسية العربية

التعليقات

مجلة روسيا للاقتصاد والأعمال 📺 قناة يوتيوب: روسيا للأعمال والاستثمار

اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مجلة روسيا للاقتصاد والأعمال